أدب

وثيقة وفاة

وثيقة وفاة

قصة قصيرة من مجموعتي القصصية رحلة اللا عودة

مقالات ذات صلة

بقلم/ أحمد درويش العربى

لم يكن مهران كأي فتى عرفته قرية الضواحك… كان يحمل في عينيه نظرة رجل عاش دهرًا، رغم أن سنوات عمره لم تتجاوز السابعة عشرة.

في صباه، حينما كان أطفال القرية يلعبون في تراب الطرقات، كان هو يجمع الحطب، ويحمل الماء، ويكابر على جرحٍ لم يلتئم، يوم قُتل والده أمام عينيه بطلقٍ ناري، في مشاجرة طاحنة مع عائلة السوالم.

يومها، مات شيء في صدره… وولد شيء آخر.

لم يترك له القدر وقتًا ليبكي، ولا فسحةً ليحلم.

صار في يومٍ وليلة رجلاً… أو هكذا أرادت له أمه والقرية.

كبر مهران، وكبرت معه صلابته.

جسده نُحت من الصخر، وصوته إن زأر دوّى في الطرقات كالرعد.

كان اليتيم الذي تحمّل ما لا يُحتمل.

تنمّر عليه الكبار قبل الصغار، جرّبوا عليه سطوتهم فوجدوه بركانًا خامدًا… لكن كل بركان لا بد أن يثور.

وفي ليلةٍ حالكة، لا قمر فيها، أيقظ أمه بهدوءٍ غريب.

قال بصوتٍ خفيض يشبه السكين:

قد حان وقت الرحيل يا أمي… من اليوم، لم يعد اسمي مهران. أريد منك أن تستخرجي لي وثيقة وفاة.

نظرت إليه أمه، والذهول يطعن صدرها:

وفاة من يا ولدي؟ أنت ما زلت حيًّا!

قال:

مهران الذي تعرفينه… مات. وقد حان مولد شخصٍ آخر… شبح سيعيد حق أبيه.

ربط أمتعته القليلة في خرقة، وودّعها.

كانت دموعها تقف على حافة الجفون، لكنها لم تنزل… كانت تعرف أن البكاء لن يردّه عما قد قرره.

بعد ثلاثة شهور فقط، كان اسم “مهران” يُهمس به في القرية كما يُهمس باسم الشيطان.

لكن الصحف لم تذكره بهذا الاسم… كانت العناوين العريضة تقول:

عودة خط الصعيد… ذلك الرجل المجهول الذي بدأ بقتل ثلاثة من عائلة السوالم، ثم امتدت يده إلى رجال آخرين، بعضهم من أبناء القرية، وبعضهم ممن سكتوا على الظلم… قتل، نهب، أحرق الحقول، وأطلق الرعب كالعاصفة.

لم يره أحد، لم يسمع صوته أحد.

لكن آثاره كانت توقظ الناس من نومهم.

“جاري البحث عن المجرم”

هكذا كانت تختم الصحف تقاريرها.

لكن من هو هذا المجرم؟

في كل بيت من بيوت الضواحك، كان الناس يتهامسون، يتجنبون الحديث في الليل، يطفئون الأنوار باكرًا… والقلوب تخشى الاسم، وتخشى أن تأتي الليلة التي يُطرق فيها الباب بصوتٍ لا يُشبه الطرقات المعتادة.

كانت أمه الوحيدة التي تحتفظ بالصورة الأخيرة له:

مهران وهو يطوي خرقة السفر، ويمضي ناحية الجبل، كأنما دفن نفسه بقدميه.

أما القرية، فلم تنسَ قط، أن مهران… مات.

لكن أحدًا لم يجرؤ على نسيان أن وثيقة وفاته، لم تكن نهاية لقصة، بل بداية لأسطورة رعب.

انتهت

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى